العشم

من بديهيات صحة العلاقات.. أن يكون هناك طرف لديه القدرة على المواجهة بأسباب ضيقه وما يثير غضبه من تصرفات وأن يستمع إليه الطرف الآخر «باحترام» و«يتفهم» و«يعتذر» عما بدر منه و«يجتهد» ليتحاشى تكرار تلك المواقف والتصرفات.

وحتى فى أمثالنا الشعبية البسيطة يقولون: «العتب على قد العشم»، وهو حق أصيل للطرف الآخر أن يستمع لأسباب الضيق وتغير المعاملة.. ويفهمون أن تكرار العتاب على مواقف كثيرة وتكرار نفس المواقف بنفس الطريقة يجعلان العلاقات تفتر وتتغير ثم تموت ببطء.

كلنا نعرف أن علاقة المصريين بوطنهم علاقة عاطفية وإنسانية قوامها الانتماء للوطن كفكرة وكتاريخ للأرض والنيل كرموز للحياة.. أكثر من كونها علاقة مادية نفعية تعرف الوطن تعريفا عاديا كونه الأرض التى يولد عليها الإنسان والكيان الذى ينظم شؤونه ويضمن حقوقه ويلتزم بحمايته.

ورغم أن الشكل الثانى هو الشكل الأكثر ندية وعملية وقد يبدو جافا وقاسيا.. فإنه هو الشكل الصحى للأوطان التى تحترم مواطنيها وتخافهم.. وهم بدورهم يحترمون أوطانهم ويهابونها.

الوطن لمواطن مصرى.. علاقة تغلفها المشاعر.. يحبه أو يكرهه، يباركه أو يلعنه.. ويختزل الوطن كثيرا فى حكامه فهو يغضب من الحاكم أو يجعله إلها ويعصمه من الخطأ..علاقة حساسة وعاطفية وغير صحية بالمرة.

لذا.. تجد نفسك كثيرا تشعر بأن هناك لغة منقوصة فى العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

الدولة لا تعطى حق «العتب» أو النقد للمواطنين وتراهم دائما أقل من إبداء رأيهم فى مشاكلهم وأقل من أن ينتقدوا قراراتها!! والمواطنون لا يفصلون بين قرار خطأ وقرار فاسد!! يتهمون اتهامات واسعة وغير موضوعية أحيانا!

ليس بيننا اليوم من لا يذكر تاريخا قريبا كتاريخ الثورة الشعبية الرائعة فى الـ30 من يونيو.. الثورة التى غيرت مستقبل مصر السياسى كما كان محتوما وحمت هوية مصر الثقافية من الهلاك هى ثورة كبيرة وحدث جلل لا يمكن تهوينه ولا نسيانه، لكن- لأن علاقتنا بالوطن عاطفية فى المقام الأول- هذا العام كان هناك فريق كبير يلعنها ويقلل من شأنها لأن ثمة حكومة وأجهزة مصرية لا تعرف شعبها.. ولا تحترم عتابه الذى تكرر كثيرا.

الشعب الذى قال أكثر من مرة وبأكثر من طريقة إنه لا يرى المفاجآت طريقة فيها احترام لحقوقه.. وإنه يجد الغموض مبررا للغضب، الشعب الذى أبدى غضبه من أن يدفع الشرفاء وحدهم كل فاتورة الإصلاح الاقتصادى.. بينما يجد الفساد مخرجا سهلا منها.. فلا نرى إصلاحا سريعا كما وعدنا، ولا نرى ضربا حاسما لصور الفساد فى الحياة اليومية.

عتاب الناس فى ذكرى الثورة.. كان على قدر «العشم» كما يساق المثل!! فعلى قدر حبهم وإيمانهم بتلك الثورة.. يأتى انتقادهم قاسيا بكل ما يرونه لا يليق بشأنها.

وعلى قدر ما دفعوه من أثمان غالية فيها من أعمالهم وأعصابهم وسنى عمرهم ومن دم أحبائهم.. على قدر ما يتعجلون ثمارها ويدركون أنهم يستحقونها.

المصرى يعاتبك.. قدر ما يتعشم فيك!

فلا تخذله كثيرا.. لئلا يدير ظهره.. ولا يعود يصدقك أبدا!!

لقراءة المقال علي موقع المصري اليوم

Tags:
To Top
Contact

Get In Touch