انسحاب العقلاء

أجمع المتخصصون وعلماء النفس والاجتماع على أن جائحة كورونا ستخلف وراءها تحديات نفسية غير مسبوقة للبشرية كلها!، فقد تخطى الأمر سوق العمل وتغيراتها.. وظائف اختفت، ووظائف جديدة ظهرت، وستظهر، وتزداد أهميتها، وتخطى الأمر أسلوب حياة جديدًا أُجبر الناس عليه!. العبء النفسى الرهيب، الخوف المستمر من المجهول، ألم الفقد، بل اعتياد الفقد، جيل كامل اقتُطعت من حياته ما يقرب من السنوات الثلاث محبوسًا أمام شاشات مفتقدين حميمية التعلم وبهجة التفاعل وروعة تكوين الصداقات بكل قوتها وعمقها وحتى أخطائها!.

تعوزنى المساحة لأسرد كم الأعباء النفسية التى ستخلفها الكورونا، بل إننى أشجع جميع المتخصصين على الكتابة عنها وشرحها وتهيئة الناس لفهمها علّنا ندرك ذلك، فنترفق قليلًا ببعضنا البعض، ونفهم أن الناس جميعهم تحت ضغط، وجميعهم ليسوا بخير كما نتوقع منهم أن يكونوا.. ما يشغلنى أيضًا كممارسة للإعلام، وفيه قضيت نصف عمرى، وبه أصدق فرص حقيقية للنجاة والتغيير للشعوب.. ما يشغلنى ندرة الوسائل الإعلامية التى تشبه الناس العادية.. أنا من الجيل الذى يؤمن بتأثير السوشيال ميديا ولا يخاصمها، بل يجتهد لاستخدامها عوضًا عن معاداتها وكيل الاتهامات لها.. كنت أراها الوسيلة التى تحرر أصحاب الفكر من قيود انتظار الزمان والمكان المناسبين والفرصة المناسبة لإعلان فكرة قيمة..

فى قائمة أصدقائى ومَن أهتم بمتابعتهم محليًا وعالميًا عقول مبهرة وآراء عظيمة أستطيع أن أقول إنها أسهمت فى تشكيل الكثير من أفكارى أو قل إنها طمأنتنى أحيانًا على عقلى وساعدتنى على السؤال أحيانًا أخرى.. المرعب أننى لاحظت أن معظم العقول المهمة فى مجتمعاتنا العربية آثرت الصمت وعدم مناقشة أفكارها على منصات التواصل الاجتماعى- وهى المساحة الوحيدة المتاحة حاليًا- فى ظل الجائحة وانعدام معظم آليات الحوار. وانسحاب العقلاء ليس جبنًا، إنما هو ترفُّع عن مستوى متدنٍّ وبغيض للهجوم الشخصى والإرهاب المعنوى لكل فكرة وكل رأى.. هذا الأسلوب الرخيص يُرضى الضعيف، ويُشعره بشكل من الأفضلية، فقد استبدل الصوت العالى وبلطجة الشارع بهجوم ضارٍ وبلطجة السوشيال ميديا.. المعضلة أن السوشيال ميديا حاليًا تنطفئ مصابيحها، يهجرها العقلاء ويتركون الساحة والمساحة لبلطجية الرأى، فلا طاقة لصاحب منطق للنزال فى مستنقعات فكرية، ولا قدرة له على الصراخ وسط الضجيج.. هم فقط يرحلون!.

فى رأيى أن هذا مؤشر خطير للوعى الجمعى، إذا تُركت الساحة الأخيرة للتأثير فى الناس دون حوارات فكرية ودون اجتهاد حقيقى وطازج وأفكار جديدة للتواصل.. فستُترك أجيال كثيرة لظلام وتشويش مرعب.. بعد سنوات سنجد أجيالًا لا تقدر على إقامة حوار أو طرح فكرة أو تقبل كونها على خطأ!. هل تتخيل معى كم الضحالة؟!.

لا أقصد ترك مخاوف أكثر مما نعيشه، لكن أقصد لك إن عبرت بمقالى هذا أن تحاول النجاة.. وأن تجد لنفسك منفذًا للنور خارج مساحة السوشيال ميديا علّك تدرك حقًا وتعود به إلى المسجونين هنا وتنير لهم أنت يومًا ما!.

لقراءة المقال علي موقع المصري اليوم

Tags:
To Top
Contact

Get In Touch