سر الخفاء

لماذا تبدو الأمور القبيحة أكثر جرأة؟.. لماذا تخرج الكلمات الجارحة أسرع من كلمات التقدير أو الحب؟! لماذا تصل إلينا الأخبار المزعجة بسرعة.. وتعز علينا كل الأخبار الحلوة والإيجابية؟

بعيدا عن صناعة الخبر.. والنظرية الأمريكية القديمة لـ«تشارلز أندرسون»، والتى تعود إلى القرن التاسع عشر أن «كلبا عض رجلا ليس هو الخبر»، بينما «أن رجلا عض كلبا» هذا هو الخبر!! هذه النظرية مهمة وصحيحة بالطبع.

لكن هناك نظريات أخرى وتعريفات أخرى للخبر، لا يبدو أننا نعيرها اهتماما.. ولم تأخذ نفس الشهرة ونفس الحظ، مثل تعريف فيليب جراهام، الذى عرّف الأخبار بأنها «الطبعة الأولى من التاريخ»!.

وذلك التعريف الذى يخطر ببالى كثيرا هذه الأيام، ويقتلنى خوفا على وطنى هو هذا التعريف للصحفى البريطانى أندرو مار، الذى تحدث عن تكرار التعرض للأخبار الصعبة، والتى عرفها قائلا: «الأخبار المهمة.. صعبة الانتزاع، إنها تلتصق بالعقل وتخلق مشاعر الخوف، الاهتمام، الضحك أو الصدمة!!».

وما دفعنى لمشاركتك مخاوفى اليوم، ببساطة، هو نوعية ما نتعرض له يوميا من أخبار.. وما يخلق فينا حالة من اليأس أو الخوف أو الأمل.. تكرار التعرض لنفس النوعية من الأخبار قد يفقدنا حتى القدرة على الاندهاش أو الإعجاب أو حتى التأثر فى حالة الأخبار الإنسانية المفجعة!!! هذا ما رصدته بملاحظات بسيطة وبأقل قدر من البحث فى نطاقات مختلفة من البشر.

إن الصناعة الإعلامية هى صناعة متكاملة أكبر من أن نرصدها هنا، لكنى أتحدث عن زاوية واحدة وهى الزاوية الأهم بالنسبة للمتلقين (المجتمع).. التأثير!!.

أنا وأنت عانينا مؤخرا من تأثير سلبى لما نتعرض له من إعلام بكل وسائله وبمختلف وسائطه (تليفزيونى، ورقى، أو إلكترونى)، وأصبحنا سجناء لتلك الزنزانة الكبيرة التى اعتقدنا أنها الحياة.. جدرانها مكدسة بأخبار مرعبة وصور مقيتة وتعليقات ساخرة انزعجنا منها قليلا ثم اعتدناها وتجاهلناها ومثلنا دورنا فى الحياة داخل الجدران.. لا حاولنا الخروج، ولا حاولنا البحث عن أخبار جديدة وصور مختلفة!!.

الحياة بالتأكيد أكثر رحابة من زنزانتنا الكبيرة!! قد ترفض أن يسمى أحد حياتك زنزانة!! يسمونها بلغة أخرى (بالونة أو فقاعة) كبيرة يعيش فيها بعضنا.. لا يتلقى سوى أخبار مجموعته ولا يتعامل سوى مع مجتمعه الخاص.. إن كنت لا تتعرف أسبوعيا على الأقل على شخص أو اثنين من خارج دائرتك المعتادة.. فهذا نوع من العزلة تفرضها الحياة أحيانا ونختارها نحن أحيانا، وهذا ما يجعلها فقاعة أو زنزانة!!.

والخبر الجيد.. أن خارج (الزنزانة أو الفقاعة) حياة أخرى.. أنت لا تسمع عنها شيئا ولا تصلك أخبارها.. هناك أناس رائعون غير تلك الوجوه التى تراها بانتظام.. يقومون بأعمال عظيمة ويستمتعون بالقيام بها.. لا يحدثون ضجيجا ولا يخاطبون إعلاما.. لا لأنهم لا يقدرون على ذلك.. لكن لأنهم اختبروا روعة الخفاء.. وسحر أن تعمل فى هدوء وبأقل قدر من الضجيج.. هناك فى قلب المحنة.. منحة حب إلهية لن تراها سوى عندما تقترب بقدر كافٍ من المتألمين والمجروحين.. لا لتلتقط صورا معهم ولا لتكتب عنهم.. ولكن كى تلتقط نسمات من عدل الله ورحمته لكل الناس.. فتفرح!.

فى الخفاء سر مخفى فى منطقة خاصة.. لا يكتشفها إلا من اقترب من جنود الخفاء، أو من قرر أن يكون واحدا منهم.. فى الخفاء تنمو جذور الشجرة التى تسندها وقت الريح. والريح كما تعلمون شديدة.

لقراءة المقال علي موقع المصري اليوم

Tags:
To Top
Contact

Get In Touch