ليس لى إنسان

منذ أن توليت شرف ومسؤولية كونى نائبة فى برلمان مصر وأنا أشعر بثقل ومهابة هذه الكلمة (نائب). أجلس على مقعدى وأتذكر مئات الموضوعات التى تصلنى يوميًا، أتعامل مع 10 بالمائة منها وأنجح فى تحريك 5%، والباقى يبدو أحيانًا أنه يحتاج إلى وقت أطول لتغييره وتفاصيل أكبر مما أوردها صاحب المشكلة، وغيرها مشكلات يومية وشخصية مرتبطة بجودة الخدمة وتعنت موظف مع مواطن أو عدم معرفة بالقانون من كلا الطرفين.

لكن النتيجة الأكثر إسعادًا لى بشكل شخصى هى كم السعادة التى يشعر بها شخص عند تلقيه ردًا على طلب أو سؤال.. حتى وإن لم يكن الرد كاملًا، أحيانًا يكون الرد: «أعتذر.. ليس من ضمن أدواتى كنائب، هذه الخدمة موجودة فعلًا، جرب كذا، أو هذه مسألة شخصية أو عائلية لا أستطيع المساعدة فيها.. حاوِل استشارة مختص أو قانونى..» وغيرها من القضايا والقصص، التى يبدو أن صاحبها طرق بابك لأنه يرى فيك «إنسانًا يساعده!».

النتيجة أننى أدركت بقليل من التفكر أن جل ما يمكن به إسعاد الناس وإكرامهم فى وطنهم هو «التواصل» معهم واحترام شكواهم مهما بدت بسيطة؛ لأنه فى أغلب الأحوال لن يشكو لك أحد من رؤية مصر 2030، ولن يعلق أحد سلبًا على مشروع اقتصادى كبير افتتحه الرئيس، ولا ستصلك تعديلات مقترحة على قانون جديد.. ستصلك يوميًا هموم عادية طبيعية تشبه همومك الشخصية بشكل كبير.

ستصل مشاعر أم قلقة ومرتعبة حول مصير خطاب «فوق الكثافة» لأنهم رفضوا قبول ابنتها فى مدرسة جيدة!.

وسيصلك طلب علاج على نفقة الدولة مُعطَّل منذ شهور فى التأمين الصحى!.

وسيصلك طلب عمل لشاب لا يعرف من أين يبدأ بعد أن أنهى سباقًا قوامه 16 عامًا من التعليم والتجريب والهلع.. ثم خرج ليجد نفسه بحاجة للبدء من جديد واكتشاف كل شىء!.

ستصلك حكايات البشر.. وستفهم كم تئن البشرية كلها بظروف متشابهة قائلة: (ليس لى إنسان!).

شاركتنى صديقتى، مديرة الفرع بأحد البنوك، وقالت: «البنك بالنسبة للناس هو شخص!»، وصدقت حين قالت هذا. هو يتعامل مع الشخص أو الموظف الذى يقدم له الخدمة كأنه هو البنك بكل تعقيداته فى هذا الشخص.

وبنفس القياس الناس يتعاملون مع الموظف المُعطِّل وفرصة العمل المتأخرة ومسؤول العلاج، على أنهم مصر بكل ما يحدث فيها من تطورات رائعة.

إن حاجة البشر العظمى هى التواصل وفتح قنوات للمعرفة، عرِّفنى الطريق لحل مشكلاتى اليومية، تواصل معى، واشرح لى أسباب تلك الرسوم التى فرضتها، شاركنى بالطريقة الأسلم للتقدم لوظيفة، عرِّفنى أن ما أقوله منطقى أو غير منطقى، كن لى (إنسانًا) يخاطبنى.. أكن لك (مواطنًا) يحب بصدق ويتفهم ويشارك.

أعتقد أننا اقتربنا جدًا من حل تلك المعضلة.

لقراءة المقال علي موقع المصري اليوم

Tags:
To Top
Contact

Get In Touch