المولد والميلاد

دار حديث عذب بينى وبين 3 من صديقاتى.. كنا نشكو من الحياة وقسوتها، وفجأة تحول الحديث إلى حديث عن الصلاة وكيف تحل جميع مشاكلنا الكبيرة منها والصغيرة، وكيف تُغيرنا الصلاة قبل أن تغير ظروفنا.. وعن هذا الفعل العجيب- الذى يحول قلوب البشر من قلوب حجرية إلى قلوب لحمية، تشعر وتتفاعل وتعطف وتحنو وتتوب وتتغير.. فقط إذا انفتحت على الخالق الأعظم الذى وهبها الحياة- طال بنا الوقت، وكلٌّ منا تَشارَكت أوقاتا اقتربت فيها من الله وأوقاتا ابتعدت.. أوقاتا شعرت فيها بالضعف وأوقاتا تَقَوَّت به.. حديث يصعب وصفه من فرط عذوبته.. والمفاجأة.. اثنتان منا مسيحيتان واثنتان مسلمتان.. وطوال الحديث- الذى دار عفويا لما يقرب من عشرين دقيقة- لم تعقد إحدانا مقارنة بين طريقة الصلاة هنا وطريقة الصلاة هناك، لم تَدْعُ إحدانا الأخرى لاختبار طريقتها فى العبادة.. وبالطبع لم تُكفِّر إحدانا الأخرى!!

شعرت كم أنا محظوظة لأن عندى هذا النوع من الصداقات وتلك العقليات.. ولكن بالأكثر تأكدت أن أولئك الجميلات.. جميلات بالحقيقة من داخلهن ولسن مدَّعيات.. هذه المحبة الخالصة لله.. تشرق فى تصرفات الناس.. فتُجَمِّلهم!

لبضعة أعوام الآن يتزامن موسم المولد النبوى الشريف مع عيد الميلاد المجيد، فى صورة مُلهِمة لحياة من المحبة والإخلاص، فيها من الاحترام والإيمان ما يكفى ليغيرنا من حال إلى حال!!

ورغم بهجة مظاهر الاحتفال بالعيدين، اللذين يحمل كل منهما مراسمه الخاصة من البهجة، فعروس المولد وشجرة الميلاد.. حصان من السكر وسانتا كلوز.. المظاهر مُبهِجة، ولكننى لست من المحظوظين، الذين يرون فى المظاهر كل شىء، ويرددون بسهولة أن كل الأمور على ما يُرام.. ولا يُرهقون أنفسهم بالتفاصيل وقسوتها، ولا بالسفر إلى الأماكن البعيدة عن الصور الرسمية، ليكتشفوا صورا حقيقية قاسية وحقائق مزعجة!

أنا من أولئك الذين اختبروا عذوبة مثل تلك.. وأيضا قبحا شديدا ورفضا عميقا للآخر، يتصدره جُهَّال يفترضون فى أنفسهم الأفضلية على الآخر على طول الخط.. فيخرج علينا نتاج جهلهم هذا كرها وبغضا ورغبة شديدة فى التغلب على الآخر بكل الصور المقبولة وغير المقبولة..

إن ما يصلنا كل يوم من صور رسمية للمحبة وعناق الرموز الدينية.. لم يعد مؤثرا على أى حال فى الأوضاع على الأرض- مع احترامنا الشديد لهم- لكن تلك الرسالة لم تعد مناسبة لزماننا هذا.. لست بصدد مناقشة هذا الآن، لكنى أريد فقط أن أرصد أن إحدى أهم الخدع التى يخدع بها الناس أنفسهم.. هى خدعة الشعور بالأفضلية على الآخر.. خدعة الاعتقاد بأن تقليل شأن الآخر وتشويه معتقده وتصويره دائما بـ«الخاسر والفاسد والضال».. والاعتقاد فى أنفسنا بأن من واجبنا محو هويته حتى تثبت هويتنا لهو اعتقاد مُضلِّل.. لطالما سقط فيه الخاسرون ممن سبقونا.

يزور مصر كل عام فى مثل هذا الوقت فريق مصرى- ألمانى عالمى، بقيادة عازف العود المصرى، باسم درويش، والألمانى، ماتياس فراى، ليقدم موسيقى وتراتيل، مع أناشيد صوفية مصرية، بعنوان: «المولد والميلاد»، تخلق حالة من الوحدانية لا تقدر عليها آلاف من الخطب الدينية ولا مئات المطبوعات، التى يُصدرها مَن لا يؤمنون بجدواها.. إن مبادرات مثل تلك قدمت ما لم يقدر عليه مئات المجتهدين..

إن كان هناك خطاب يصلح لتغيير نظرة المجتمع للدين فهو خطاب الثقافة والفن.. فالمثقفون ومتذوقو الفن.. يُقدرون أنفسهم ويُقدرون الآخر.. كلما ازدادوا علما ازدادوا اتِّضاعا وبحثا.

كل عام وأنتم.. بألف خير.

لقراءة المقال علي موقع المصري اليوم

Tags:
To Top
Contact

Get In Touch