ضد المواطن!

تحدث فى بلادنا تغيرات جسام فى شكل الحياة ومضمونها.. تغيرات تحدث بسرعة وبعشوائية- لكونها ردود فعل للحالة الاقتصادية الجديدة وللضغوط الاجتماعية الجديدة- سرعتها تجعل مهمة دراستها شاقة حتى على أعظم علماء النفس والاجتماع، وتجعل مهمة التعامل معها والسيطرة على نتائجها مهمة أشد صعوبة ودقة.

أشك أن ذكر تلك التغيرات قد أتى فى أى اجتماع سابق لمجلس الوزراء، أو أنه سيأتى قريبا.. فالمجتمع والصورة الكاملة للحياة من حيث جودتها، سلاستها وبهجتها، أمور يعتبرها القائمون على إدارة شؤون الوطن كماليات ورفاهية.. فليهتم بها من يقدر على دفع فاتورتها، وكأن سلاسة الحياة سلعة يظنونها للبيع ويظنونها قابلة للتنازل إن غلت وتغالت وتسير الحياة كما هى.. والحقيقة أن اعتياد المواطن على التنازل عن حقه فى حياة سلسة.. مبهجة.. جيدة.. قد شوه نفوس البشر إلى ذلك الحد الذى يجعلنا نسير متعجبين من تصرفات البعض فى الشوارع وفى البيوت وعلى مواقع التواصل الاجتماعى..واكتفينا بردود الأفعال التى تندد: «ماذا حدث لهؤلاء؟!».

سأحاول سرد يوم عادى- لمواطن عادى- وكم الضغوط التى يتعرض لها فى يومه، والأيام هى وحدة قياس العمر إذا كنا نسينا… فربما يجد أحد ممن يعملون ضد المواطن سببا للمراجعة وإن كنت أشك فى ذلك.

يستيقظ المواطن ليحضّر أبناءه للذهاب للمدرسة يحضّر لهم وجبة الصباح التى قلت جودتها بسبب ارتفاع الأسعار، وينظر لما يعطى لأولاده فى صمت وقلة حيلة.. ثم يحمّلهم حقائب دراسية تزن 10 كيلوجرامات أو أكثر ويتذكر ساخرا كم مرة سمع تصريحات وزارية عليا بتطوير التعليم والمناهج، ينظر لظهور الأبناء المحنية ويصمت مرة أخرى متمنيا لهم غدا أفضل من ضيق اليوم.. يخرج إلى الشوارع ممنيا نفسه فقط ألا يموت فى حادثة سير، ويصمت أمام ساعات عمره التى تضيع بسبب غياب ذلك القانون المسمى قانون المرور الذى سمع عنه كثيرا، وتنسيق غائب بين وزارات وإدارات.. يعمل ساعات طويلة بنفس الأجر القليل الذى كان قليلا قبل تضاعف الأسعار، والآن أصبح كوميدياً ومضحكاً.. يأخذه راضياً، إذ كيف يجرؤ على المطالبة بزيادة ورب العمل يعانى من تهديدات الإغلاق بسبب قرارات الحكومة التى تعتبره هو أيضا سارقا ولصا، وترحب بانسحابه من المشهد لا بمساعدته على تخطى أزماته أيضا.. يصمت وهو يأخذ أجره الزهيد ويذهب سريعا بعد العمل لشراء حاجات المنزل قليلة الجودة بضعف الثمن!! ثم يختم جولته خارج المنزل بالمرور على الصيدلية التى يسألها مجددا عن الدواء فتجيبه بأنه (ناقص) رغم أن المواطن يعلم أن نقص الدواء صراع جديد بين الحكومة التى فوجئت بارتفاع سعر الخامات، وشركات الدواء التى تناضل لأجل حماية صناعتها.. وأخيرا يعود هذا المواطن إلى بيته مهزوما فى معارك عدة.. ليشارك أبناءه تحدياتهم ويسمع شكاوى زوجته ويصمت وينام.. ليكرر كل هذا من جديد.. فى يوم جديد!!

أضع هذه الصورة المختزلة لحياة المواطن أمام علماء الاجتماع لينتفضوا.. فهم أكثرنا علما بأن حياة بهذه التفاصيل المحبطة لا تنتج سوى انفجار أو تطرف.

وأضعها أمام حكومتنا ومشرعى القوانين وواضعى الخطط فى بلادنا.. نفهم أن هناك أزمة اقتصادية وضغوطا سياسية ندفع ثمنها جميعا.. ونتحملها حبا فى أوطاننا.. إنما أن ندفع ثمن حكومة تعمل ضد المواطن فتلك فاتورة لن يدفع ثمنها سوى الحكومة التى ستجنى مواطنا.. يعمل ضد الحكومة!

لقراءة المقال علي موقع المصري اليوم

Tags:
To Top
Contact

Get In Touch