«عمران»

فى نشرة الأخبار قرأنا خبرا عن سوريا كالمعتاد.. قدمنا تقريرا كالمعتاد.. لكن حين رأيت «عمران»! لم يعد شىء فى هذا الأمر- بالنسبة لى- معتاداً!!.

عمران الصغير الذى كان قبل ساعات يجلس فى منزله وسط عائلته، مستمتعا بعشاء بسيط، ثم لعب بلعبته البسيطة، وكان يرفض أن ينام خوفا من صور الحرب والدمار التى تزوره فى أحلامه.. عمران الذى نامت اليوم كل أسرته للأبد.. وتركوه وحيداً مع ذكرى انهيار كل شىء فى حياته.. فى لحظة!!.

أنا آسفة يا عمران.. آسفة لأنى جزء من هذا العالم الذى هدم كل شىء فى حياتك فى لحظة.. آسفة لأنى أذكر أسماء مَن قتلوك كل يوم.. بلا تعليق!!، ولا أُسميهم «قتلة».. آسفة لأنى أُسميهم «ساسة» وأذكر أسماءهم فى نشرات الأخبار.. آسفة لأنى حين أودع أطفالى للنوم وحين أصلى معهم.. لا أذكرك.. ولا أطلب منهم أن يحدثوا الله عنك مثلما علمنا طفل صغير مثلك من سوريا، حين قال فى كلماته الأخيرة: (سأخبر الله بكل شىء!!)، أنت أيضا علمتنا.. علمتنا عيونك الصغيرة.. أننا عاجزون!!.

أنا آسفة.. لأننا عاجزون!.

أعرف أن فيديو الطفل (عمران) الخارج من تحت أنقاض منزله فى حلب.. نخز فى قلوب العالم كله!.

لكنه بالنسبة لى كان صرخة إيقاظ.. من غفلة طويلة غرقنا فيها بسبب ظروفنا الداخلية وأزماتنا وشهدائنا وتعصبنا وخلافاتنا.. غرقنا كمصريين فى تفاصيلنا الكثيرة التى ضاع معها كثير من ملامح إنسانيتنا.

أيقظنى عمران على أن جملة (لسنا سوريا ولا العراق) ليست نكتة ولا مزحة يتداولها الناس ساخرين!، إن حالنا مهما تردى، فسيظل نعمة وفضلا من الله أننا لدينا حدود ووطن وجنود وشهداء يموتون بشرف حتى نحيا بكرامة.

أشعر أن خطيئتنا الكبرى.. أننا لم ندرك تلك النعمة بعد!!.

أيقظنى عمران على أننا نجحنا فى تحقيق ما كان مستحيلاً!، ولكننا مازلنا نفشل فيما يبدو سهلا ومنطقيا وبديهيا!!، مازلنا نفشل فى الاختبارات اليومية الحياتية التى تضمن استمرار النجاح.. مازلنا نفشل فى أن نعمل وأن نضرب يد الفساد وأن نريد حقا أن نتغير!! ومازال ساستنا لا يريدون!!.

أيقظنى عمران على حقيقة أنه لم يعد هناك وطن عربى مثلما عهدناه فى مدارسنا.. لم تعد عواصمنا تغضب لبعضها.. أذكر فى طفولتى حين استُشهد محمد الدرة فى حضن والده على يد الاحتلال الصهيونى!!، أذكر صورته فى كل مكان وأذكر وقفاتنا وأغنياتنا وأشعارنا التى أطلقناها احتراما لدمه الطاهر!، واكتشفت أننا لم نعد نغضب هكذا.. لقد اعتدنا أن يموت أطفالنا قبل أوانهم.. ويعيش كهولنا صراعاتهم!.

أبكانى وأبكى العالم.. لكن عيونه الصغيرة لم تكن تبكى.

كانت حائرة وتائهة.. وكانت نظرتها ثاقبة وكأنها تسجل هذا المشهد!!، لا أعرف إلى متى سيبقى فى خياله هذا المشهد.. ولا أعرف أى نتيجة ستخلفها تلك الذكرى فى حياته!!.

ولكننى أعرف أن تلك الأوطان التى مزقتها الحروب.. قد لا تعود.. ولكن عمران سيعود.. سيكبر عمران ليصبح سياسيا أو رئيسا لسوريا يوما ما.. فيحكم بالعدل ويحكم بالرحمة..!!

عمران.. سامحنا.

ويا كل أطفال هذه البقعة البائسة من العالم التى تعانى بسبب أفكار سوداء فى عقول الكبار.. منكم مَن يعانى ويلات الحرب التى تشوه أو تقتل أجسادكم الصغيرة، ومنكم مَن يعانى ويلات الجهل التى تشوه عقولكم الصغيرة!!.

سامحونا لأنكم تستحقون أوطانا أفضل.. وكبارا أفضل!.

لقراءة المقال علي موقع المصري اليوم

Tags:
To Top
Contact

Get In Touch