غسل الأرجل

يومان طويلان وفارقان فى مصر، لقد قصد البابا زيارة مصر، قلب الشرق الأوسط.. حتى يرسل رسالة السلام لتلك المنطقة الملتهبة التى تعانى الإرهاب والبغض والموت والدمار.. حتى تكون منبرا لرسالته العالمية.

ومرت سريعا تلك الزيارة تاركة خلفها انطباعات ومشاعر غبطة وانبهار فى الجانب الأعم من المصريين.. وكراهية معتادة من جانب قطاع آخر موتور كاره للحياة وكاره للرموز وكاره لأى إنجاز أو فرحة تمر بمصر!!

أتى البابا فرنسيس إلى مصر ليغسل أرجل المصريين.. و«غسل الأرجل» هو مصطلح غير معروف للجميع.. لكنه مفهوم لدى عامة المسيحيين بأكثر من صورة.

الأصل حين قدم السيد المسيح هذا النموذج.. عندما انحنى وغسل أرجل تلاميذه مقدما لهم مثالا ليتبعوه.. غسل الأرجل هو تعبير رمزى عن الاستعداد للبذل عن اتضاع العظيم للصغير.. ففى ذلك الزمان كان الناس ينتعلون الأحذية المفتوحة (الصندل)، وكانت من طرق الإكرام عند دخول البيت.. أن يقوم الصغير أو العبد بغسل الأرجل.. فما بالك بأن يأخذ هذا المكان الأكبر والأعلى شأنا.. هذا هو التنازل وهذه هى التقدمة التى جعلت العالم كله يتوقف أمام هذا الرجل.. ولا يفوت أحد له كلمة أو تصريحا.. ليس لمنصبه الدينى فحسب.. لكن لأنه رجل ثورى بامتياز، متمثل بالسيد المسيح الذى كان ثوريا ومغيرا لكل جمود يعطل الحياة وكل قيود وضعها المتدينون التقليديون فى عصره، الذين بقسوتهم وتشددهم أغلقوا الأبواب أمام الناس، وصار طريق معرفة الله بسببهم طويلا وصعبا ومعقدا.. بينما يأتى هؤلاء الثوريون بغير غضب.. الإصلاحيون بغير صدام ليقدموا واقعا جديدا ملهما لكل من يراهم.. مهما اختلفت بينهم اللغة أو الجنس أو الدين.. لقد كانت زيارة البابا فرنسيس ملهمة لكثيرين، والسلام الذى أتى حاملا رسالته هو جل ما نحتاجه لوطننا العظيم.. أتى هذا الرجل وكأنه درس مجتمعنا دراسة وافية قبل أن يكتب كلماته.. يعرف ماذا سيقول ومتى وأين سيقوله.. فكلمته فى مشيخة الأزهر تزيل وصمة يصمها الغرب للإسلام والمسلمين، خاصة الشرقيين منهم، وحديثه عن التطرف نحو الحب كخيار وحيد للنجاة من أتون التعصب الذى نحيا فيه، ولأول مرة نرى معانقة رموز دينية لا نشعر بأنها مبتذلة ومكررة، بل نستشعر صدقها من الطرفين.. حتى كلمة فضيلة الإمام يومها كانت موفقة وحكيمة.. وفى كلمته أمام رموز تمثل أطياف المجتمع تحدث عن قوة القانون لا قانون القوة، وكأنه يوصى هؤلاء تحديدا برعاية مفهوم السلام، مستخدمين أدواتهم والخطوة الثورية التى قام بها البابا فرنسيس والبابا تواضروس من التحرك خطوة فى اتجاه الوحدة دون النظر لجموع المنتقدين والمزايدين من الطائفتين ودون خوف من ملامة أولئك الذين يرتاحون فى الفرقة ويسعدون بالانقسام!!.

قدّم الرجل فى مصر رسالة السلام وحمّل الأمانة لكل مصرى.. بينما غسل الأرجل سيظل مسؤولية الكبار وحدهم.. فلا صغير يقدر على التنازل أبدا.. لأنه ضد تركيبته وخوائه النفسى.

غسل الأرجل فى احتواء الكبير للصغير، فى أن تزيل أعباء ثقيلة عن كاهل جيل أصغر بحب وقبول ودون تمييز..

غسل الأرجل فى رعاية الفئات الأضعف فى المجتمع واحترام الفئات الأقل حظاً..

هذا الرجل ألهم العالم.. وألهمنا..

علنا نستكمل طريقنا.. ويخرج من مصر.. للأرض السلام.

لقراءة المقال علي موقع المصري اليوم

Tags:
To Top
Contact

Get In Touch